حين يفقد العمل معناه-د. قدري حفني da mankol
مع بداية عملي المهني في مجال الاختيار والتدريب بمصلحة الكفاية الانتاجية في أواخر1958 كان علي القيام بعملية تحليل العملJOBANALYSIS التي تتطلب إجراء تحليل لاداء مجموعة من العمال المتميزين في حرفة معينة, وبينما كنت اراجع ملفات العمال في احد المصانع, لاحظت ملفا متضخما مليئا بالتأشيرات الحمراء يشير إلي أن صاحبه دائم المشاكسة مع رؤسائه, غير ملتزم بمواعيد الحضور والانصراف, وكثيرا ما يغادر موقعه في المصنع ليتجول بين العمال, فضلا عن انه كثير التردد علي العيادة الطبية دون شكوي مرضية محددة, مما يجعله ـ وفقا للمطلحات العلمية في مجال علم النفس الصناعي ـ نموذجا تقليديا للعامل المشكل ومن ثم فقد استبعدت صاحبنا من المجموعة المختارة وفقا للأصول العلمية, وبالتالي لم أتوقع مقابلته.
انتهت مهمة تحليل العمل وبقيت بعض الوقت ألملم أوراقي منتظرا سيارة العودة, وإذا بأحد العمال يقترب مني ملقيا التحية ومعرفا بنفسه الحاج علي كان ينطق الكلمتين مدغومتين ككلمة واحدة الحاجعلي, متسائلا انتم بتعملوا إيه؟ وحاولت ان اشرح له ببساطة طبيعة مهمتنا كمتخصصين في علم النفس, التقط كلمة علم النفس وانطلق يتحدث عن أحواله ومشاكله, وكيف ان نفسيته تعبانه لقد كان الحاج علي هو العامل المشكل الذي استوقفني ملفه صباحا.
كان الحاج علي نجار سواقي يقيم في قرية لصيقة بالمصنع, كان ـ كما يقول ـ يحظي بتقدير الجميع لم يكن نشاطه قاصرا علي قريته وحدها, عندما تتعطل ساقية في إحدي القري المجاورة يهرعون إليه كانوا يبعثون لي بالركوبة وحين أصل أجد الجميع في انتظاري يلتفون نحوي ويتتبعون عملي بإعجاب كنت قبل ان اذهب معهم إلي الساقية المعطوبة أكون متوقعا طبيعة العطل الذي حدث, كنت اعرف تفاصيل تاريخ كل ساقية منذ تركيبها وأعرف نقاط ضعفها, وبعد أن ينتهي عملي وتعود الساقية للعمل يعبر لي الجميع عن تقديرهم وحبهم ولم استطع أن امنع نفسي من أن أسأله ولماذا تركت نجارة السواقي؟ لم يجبني الحاج علي بل استرسل في حديثه عن سوء الاحوال في المصنع مقارنة بحرفة نجار السواقي:
في هذا المصنع يهتمون بأمر بالغة التفاهة: لابد من الحضور الساعة السابعة صباحا بالدقيقة والثانية, ماذا سيحدث لو تأخرت قليلا؟ صدقني لاشيء, ماذا لو حضرت في موعدي بالضبط؟ ما المطلوب مني؟ تصور سيادتك ان كل المطلوب هو أن أقف امام سير تجري عليه ألواح خشب وأضع عليها علامات علي مسافات محددة, واظل هكذا لمدة ساعات لا أعرف إلي اين تذهب تلك الالواح بعد ذلك, لم استطع التحمل فحاولت التجول في المصنع لافهم فاتهمت بمخالفة التعليمات وترك موقع العمل, بذمتك هل هذا عمل يقوم به اسطي نجار مثلي؟ حاولت ان اشكو لصاحب المصنع, تصور سيادتك أن هذا المصنع الكبير ليس له صاحب, نعم.
لقد تدرجت بشكاواي حتي وصلت إلي مكتب سيادة رئيس مجلس الإدارة لاكتشف انه مع الابهة والفخامة مجرد موظف يتقاضي أجرا, اي انه مثلي يعمل باجرته, لم استطع الوصول لأعلي من ذلك, كنت أريد الوصول لصاحب المال, ولكني اكتشفت انه لاوجود له, ألم اقل لك إن هذا المصنع لاصاحب له, انني لم اصادف في حياتي ساقية أو أرضا أو حتي ماشية لاصاحب لها, في النهاية قررت الصمت, ولكني بدأت في سلسلة من المتاعب الصحية, جسمي مهدود, الصداع لايفارقني فقدت شهيتي للطعام أصبح نومي مضطربا, وأوصبحت لا احتمل كلمة من احد, طبيب المصنع كشف علي وقال إنني لست مريضا, سمعته يهمس لزميل له دي حالة نفسية
انتهي الحاج علي من حديثه ولم يكن لدي ما اقدمه له انذاك سوي تلك النصيحة التقليدية العامة بالالتزام باوامر الاطباء مع التمنيات والدعوات بالشفاء لقد اعتبرتها انذاك حالة تقليدية من حالات السيكوسوماتية, أو الاعراض الجسمية ذات المنشأ النفسي, ولكني اكتشفت بعد فترة طويلة أن منشأ ما كان يعاني منه الحاج علي هو إحساسه بأن حياته قد فقدت معناها, وأن عمله لم يعد مصدرا لحصوله علي التقدير, والاشباع النفسي, إنه لم يعد يعرف معني لما يؤديه, لقد تملكه الاحساس بأنه غريب عن العالم المحيط به انه الاغتراب إذن في أوضح صوره.
وهكذا فقد اتاحت لي الشهور الأولي من ممارستي المهنية أن التقي مباشرة بظاهرة الاغتراب في مجال العمل, وهي الظاهرة التي بدت لي بعد مضي أكثر من عشر سنوات بمثابة النقطة التاريخية التي فجرت الحاجة لظهور علم جديد هو علم النفس والتي يمكن أيضا ان تكون مدخلا للاستبصار بالعديد من المشكلات التي تعاني منها بلادنا, حيث تكدست دواويننا الحكومية ومؤسسات القطاع العام بالعديد ممن حصلوا علي وظيفة دون ممارسة عمل حقيقي له معني.
خلاصة القول إن افتقاد العمل لمعناه ومن ثم للاعتراف الاجتماعي بقيمته, إلي جانب إلاحجام ـ تعاليا أو خوفا ـ عن تقديم تفسيرات مقنعة وحقيقية لمعاناة العاملين وشكاواهم, يؤدي في النهاية إلي تزايد السخط وشيوع العنف